لم يكن المشجع الكونغولي الذي ظهر واقفًا بلا حراك طوال 90 دقيقة في مدرجات ملعب مغربي مجرد متفرج عادي جاء ليحيي منتخب بلاده. كان تمثالًا حيًا للذاكرة، وندبة تاريخية فتحت في لحظة ملايين الجروح المنسية.
وقف صامتًا… لكنه قال الكثير:
“نحن لم ننسَ خيانتكم.”

لماذا المغرب؟ ولماذا الآن؟
هذا الرجل يفعل ذلك منذ 2013، في كل بطولة للكونغو الديمقراطية، يتقمص شخصية باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لبلاده وأحد أقوى رموز التحرر في إفريقيا.
لكن الظاهرة لم تنفجر عالميًا إلا الآن، في المغرب تحديدًا.
ليس صدفة.
فهذه البطولة تُقام على أرض ارتبط اسمها بصفحات مظلمة في قصة اغتيال لومومبا.
القصة التي لم يتعلمها المغاربة في مدارسهم
بعد استقلال الكونغو بشهرين عام 1960، غرقت البلاد في الفوضى: انقلاب، انفصال أقاليم، صراع دولي على ثرواتها.
أرسلت الأمم المتحدة قوات حفظ سلام، بينها وحدات مغربية بقيادة أول جنرال مغربي في التاريخ: بن حمو الكتاني.
وحين نفذ الكولونيل موبوتو سيسوكو انقلابًا على حكومة لومومبا، لم يكن وحده.
كان مدعومًا من:
- المخابرات الأمريكية CIA
- القوة الاستعمارية البلجيكية
- ودعم ميداني مغربي واضح
الوثائق التاريخية تؤكد:
قوات المغرب ساعدت في إسقاط الحكومة الشرعية في الكونغو.
جريدة التحرير المغربية آنذاك وصفت الأمر بـ:
“الخيانة التاريخية”
“عار على المغرب”
لكن الدولة دفنت القضية… كما دُفن لومومبا بعد تمزيق جسده وإذابته في الحمض، ولم يبقَ منه سوى سن واحدة أعيدت لعائلته عام 2022.
من قتل ومن احتضنه؟
بعد اغتيال لومومبا، بدأ عهد موبوتو الأسود. 32 سنة من الاستبداد والفساد ونهب ثروات البلد. وعندما طردته ثورة شعبية عام 1997، لم يجد ملجأً سوى المغرب. استقبله الحسن الثاني كصديق، وعاش موبوتو أيامه الأخيرة في الرباط، ودُفن فيها تحت الأحرف الثلاثة MSS، في قبر بلا اسم، كأن الأرض تستحي من ضيفها.
90 دقيقة من الصمت… تهز قارة كاملة
حين وقف المشجع الكونغولي متجمّدًا، لم يكن يحاكي تمثالًا فحسب؛ كان يستدعي روحًا طُمست، ويذكّر شعبًا آخر بجرح مسكوت عنه.
رسالته كانت ثلاثية الأبعاد:
- تحية للومومبا… القائد الذي قتلته الاستعمارية العالمية
- عتاب للمغرب… البلد الذي لعب دورًا في سقوطه واحتضان جلاده
- سؤال لإفريقيا كلها:
هل سيأتي يوم يعترف فيه المستعمر وحلفاؤه بجرائمهم ويدفعون ثمنها؟
بين الماضي المخفي والحاضر المطبّع
صمت الرجل كان مدويًا لأنه اصطدم بتناقض صارخ:
- المغرب اليوم يفتح أبوابه للبطولات والنجاحات،
لكن جزءًا من تاريخه لا يزال مغلقًا بالأقفال. - يرفع راية إفريقيا في كرة القدم،
لكن صفحات من دوره في إفريقيا السياسية ما تزال مطموسة.
هكذا تحوّل مشجع واحد إلى درس للتاريخ
لم يكن المشهد في المدرجات مجرد لقطة طريفة لجماهير كرة القدم.
كان استعادة لتاريخ منسي، ومطالبة بذاكرة لم تعد قابلة للطمس.
فالتاريخ قد يُدفن، لكن يومًا ما، سيقف شخص صامتًا… ليحفره من جديد.









