السلوك العدواني على مواقع التواصل الاجتماعي بين علم النفس والواقع التونسي
مقدمة: شتيمة خلف شاشة… وظاهرة تستحق الفهم
افتح أي منشور تونسي يتناول موضوعًا مثيرًا للجدل، وستجد أحيانًا شيئًا يتجاوز الاختلاف في الرأي: سبًّا، سخرية، إهانة شخصية، تشويهًا، استفزازًا أو تعليقات عدوانية من أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا، وربما لن يلتقوا في حياتهم وجهًا لوجه.
السؤال هنا ليس: لماذا أصبح التونسيون عدوانيين؟
فهذا استنتاج لا تدعمه الدراسات المتوفرة.
السؤال الأكثر دقة هو: لماذا تسمح البيئة الرقمية لبعض أشكال العدوان التي قد تكون مكبوتة أو محدودة في الحياة اليومية بالظهور بهذه القوة؟
علم النفس والاجتماع يدرسان هذه الظاهرة منذ سنوات تحت عناوين مختلفة، من بينها التنمر الإلكتروني، التحرش الإلكتروني، السلوك العدواني الرقمي، وخطاب الكراهية.
وفي تونس أيضًا بدأت تتراكم أبحاث تكشف أن المشكلة ليست افتراضية كما قد يبدو؛ فهي مرتبطة بسلوكيات واقعية وبعلاقات أسرية ومدرسية واجتماعية وبالصحة النفسية، خصوصًا لدى المراهقين.
تونس: ماذا تقول الأرقام؟
من المهم أولًا التمييز بين العدوان في التعليقات وبين التنمر الإلكتروني. فليس كل تعليق سيئ تنمرًا بالمعنى العلمي؛ التنمر عادة يتضمن سلوكًا عدوانيًا متكررًا وقصدًا للإيذاء واختلالًا في القوة بين الأطراف.
لكن الدراسات التونسية حول التنمر الإلكتروني تعطينا مؤشرًا مهمًا عن حجم المشكلة.
دراسة أجريت في مؤسستين إعداديتين بولاية سوسة خلال السنة الدراسية 2020/2021 وشملت 238 مراهقًا، وجدت أن 51.3% من المشاركين صرحوا بأنهم تعرضوا للتنمر الإلكتروني مرة واحدة على الأقل. كما أن 32.4% كانوا يستخدمون مواقع التواصل لأكثر من ثلاث ساعات يوميًا.
وفي دراسة تونسية أخرى نُشرت سنة 2026 حول التنمر المدرسي والتنمر الإلكتروني لدى تلاميذ الثانوي في منطقة صفاقس، تناول الباحثون الظاهرة باعتبارها قضية ذات آثار نفسية واجتماعية وأكاديمية، مع التركيز على العوامل الفردية والبيئية المرتبطة بالتعرض لها.
أما في التنمر المدرسي التقليدي، فقد شملت دراسة في منطقة سوسة 1584 تلميذًا، ووجدت أن 7.8% صُنّفوا كمتنمرين فقط، و3.2% كضحايا ومتنمرين في الوقت نفسه، بينما كان 75.5% من المشاركين مجرد شهود على الظاهرة. والأكثر إثارة أن مجموعة المتنمرين-الضحايا كانت أقل ميلًا إلى الإحساس بالتعاطف.
هذه النتائج لا تعني أن «نصف التونسيين متنمرون»، بل تكشف أن العنف الرقمي وتجارب التعرض له موجودة بصورة تستحق الدراسة الجادة.
لماذا نشتم شخصًا لا نعرفه؟
هنا تبدأ المسألة النفسية.
عندما يكتب شخص تعليقًا مهينًا لشخص آخر، فإننا لا نستطيع معرفة دوافعه من التعليق وحده. فقد يكون غاضبًا، أو محبطًا، أو متأثرًا بجماعة، أو يبحث عن الانتباه، أو ببساطة يتصرف بطريقة لم يكن ليتصرف بها في مواجهة مباشرة.
لكن البيئة الرقمية تخلق ظروفًا تجعل العدوان أسهل.
1. المسافة النفسية
في الحياة الواقعية، عندما نواجه إنسانًا أمامنا، نرى وجهه ونسمع صوته ونلاحظ تأثير كلماتنا عليه.
على الشاشة، يتحول الإنسان إلى اسم مستخدم وصورة وعبارة.
هذه المسافة يمكن أن تقلل الإحساس الفوري بعواقب الكلام.
الشخص لا يرى لحظة الصمت التي تسبب بها كلامه، ولا يرى ارتباك الطرف الآخر أو حزنه.
وبالتالي يصبح من الأسهل كتابة شيء ربما كان سيتردد في قوله وجهًا لوجه.
2. الشاشة تمنح البعض «جرأة إضافية»
قد يكون الشخص هادئًا في حياته اليومية لكنه يصبح شديد العدوانية خلف لوحة المفاتيح.
ليس بالضرورة لأنه أصبح شخصًا آخر تمامًا، بل لأن بعض القيود الاجتماعية التي تضبط سلوكه في الواقع تصبح أضعف على الإنترنت.
هناك غياب للمواجهة المباشرة، وإمكانية استخدام حسابات مجهولة أو شبه مجهولة، وسهولة الانسحاب من الحوار في أي لحظة.
فتصبح تكلفة العدوان منخفضة جدًا.
كلمة جارحة تحتاج ثواني لكتابتها، لكنها قد تبقى منشورة لأيام أو سنوات.
3. الغضب لا يبحث دائمًا عن «السبب الحقيقي»
أحيانًا يكون الشخص غاضبًا من شيء في حياته، لكنه يفرغ غضبه في مكان آخر.
مشاكل شخصية، ضغط دراسي، خلافات أسرية، فشل، شعور بالظلم، إحباط اقتصادي أو اجتماعي… كلها قد تولّد توترًا.
لكن وسائل التواصل تقدم له هدفًا سهلًا وفوريًا.
وهنا يجب الحذر: هذا يفسر السلوك ولا يبرره.
4. لماذا تتحول بعض النقاشات إلى «معركة»؟
لأن مواقع التواصل لا تعرض لنا المعلومات فقط؛ بل تعرض لنا أيضًا الجماعات التي ننتمي إليها.
سياسة، رياضة، فن، مشاهير، قضايا اجتماعية، جهات جهوية، جامعات، مؤسسات…
عندما يصبح النقاش مرتبطًا بالهوية، فإن انتقاد الفكرة قد يُفهم باعتباره هجومًا على الشخص أو الجماعة.
فيتحول:
«أنا أختلف مع رأيك»
إلى:
«أنت مخطئ»
ثم إلى:
«أنت سيئ»
ثم قد يصل إلى:
«كل من يتفق معك سيئ».
وهكذا ينتقل النقاش من الأفكار إلى الأشخاص.
الجمهور ليس متفرجًا بريئًا دائمًا
من أكثر العناصر أهمية في هذه الظاهرة وجود المتفرجين.
دراسة تونسية حول التنمر المدرسي وجدت أن 75.5% من المشاركين كانوا ضمن فئة «الشهود» أو المتفرجين.
وفي العالم الرقمي، يقوم الجمهور بدور أكبر بكثير.
تعليق عدواني يحصل على مئات الإعجابات قد يعطي صاحبه إشارة نفسية بسيطة:
«الناس أعجبتهم الطريقة التي هاجمت بها.»
وهنا يمكن أن يتحول العدوان إلى سلوك يحصل على مكافأة اجتماعية.
ليس بالضرورة أن يكون الشخص يريد إيذاء الآخر أصلًا؛ ربما يريد أن يكون مضحكًا، أو مثيرًا، أو أن يحصل على تفاعل.
لكن النتيجة واحدة: العدوان يصبح وسيلة للحصول على الانتباه.
السخرية التونسية: أين تنتهي الفكاهة ويبدأ العنف؟
هذه نقطة تستحق دراسة خاصة في تونس.
السخرية جزء واضح من الثقافة اليومية، والقدرة على إطلاق النكتة والرد السريع والتعليق الساخر حاضرة بقوة في الخطاب الشعبي.
لكن هناك فرق بين:
السخرية من فكرة
وبين:
إهانة إنسان بسبب شكله أو عائلته أو أصله أو ظروفه أو حياته الخاصة.
المشكلة أن الحدود بين الاثنين تصبح أحيانًا ضبابية جدًا على مواقع التواصل.
وقد يقول شخص:
«كنت نمزح فقط.»
لكن السؤال الأهم هو:
هل كان الطرف الآخر يرى الأمر مزاحًا؟
الفكاهة تحتاج إلى مساحة مشتركة بين الطرفين. أما الإهانة التي يرفضها أحدهما فلا تصبح فكاهة لمجرد أن صاحبها سماها مزاحًا.
تونس تدخل مرحلة جديدة: حتى الذكاء الاصطناعي يدرس اللهجة التونسية المسيئة
المثير أن الاهتمام العلمي بالظاهرة لم يعد مقتصرًا على علم النفس.
في 2025، نشر باحثون دراسة حول اكتشاف خطاب الكراهية واللغة المسيئة باللهجة التونسية باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي.
الدراسة استخدمت قاعدة بيانات تسمى T-HSAB تحتوي على تعليقات باللهجة التونسية مصنفة إلى محتوى مسيء أو يحمل خطاب كراهية، واختبرت عدة نماذج لغوية. وأظهر نموذج TunBERT المتخصص في اللهجة التونسية أفضل أداء بين النماذج التي اختبرها الباحثون.
وهذا يعني أن المشكلة أصبحت أيضًا موضوعًا تقنيًا:
كيف يستطيع النظام أن يميز بين تعليق تونسي ساخر، وتعليق غاضب، وتعليق مسيء، وخطاب كراهية؟
المهمة ليست سهلة؛ لأن اللهجة التونسية تعتمد على السياق، والتلميح، والاختصارات، والفرنسية، والعربية، والكتابة بالحروف اللاتينية، وأحيانًا كلمات لا يمكن فهم معناها الحقيقي خارج السياق.
هل العدوان الإلكتروني دليل على اضطراب نفسي؟
ليس بالضرورة.
وهذه من أخطر الأفكار التي يجب تجنبها.
شخص يكتب تعليقًا سيئًا لا يعني تلقائيًا أنه يعاني من مرض نفسي.
السلوك العدواني يمكن أن يظهر لدى أشخاص مختلفين ولأسباب مختلفة.
الدراسات تسمح لنا بالحديث عن عوامل مرتبطة بالسلوك، لكنها لا تسمح بتشخيص شخص مجهول من خلال تعليق على فيسبوك أو إنستغرام.
والأبحاث التونسية نفسها تشير إلى أهمية عوامل متعددة: الأسرة، المدرسة، العلاقات الاجتماعية، الاستخدام الرقمي، والقدرة على التكيف. ففي دراسة سوسة، ارتبطت عوامل الحماية الأسرية والفردية بالتنمر الإلكتروني، وهو ما يشير إلى أن بناء المرونة والدعم يمكن أن يكون جزءًا من الوقاية.
الأخطر: عندما يصبح السب طبيعيًا
المشكلة الحقيقية ليست فقط في وجود شخص عدواني.
المشكلة تبدأ عندما يصبح المجتمع الرقمي متسامحًا مع العدوان.
عندما نقرأ إهانة ولا نعترض.
عندما نشارك منشورًا لأن صاحبه «فضح» شخصًا.
عندما نضحك على تعليق مهين.
عندما يصبح الشخص الأكثر استفزازًا هو الأكثر انتشارًا.
عندها يتغير معيار المقبول.
وما كان صادمًا قبل سنوات يصبح عاديًا.
هل مواقع التواصل هي السبب؟
لا.
وسائل التواصل ليست أصل المشكلة، لكنها مضخّم قوي للسلوك.
هي تمنح الإنسان سرعة، جمهورًا، انتشارًا، وإمكانية الرد الفوري.
في الحياة اليومية قد تغضب من شخص وتحتاج إلى عشر دقائق قبل أن تتحدث معه.
على الإنترنت يمكنك الرد في عشر ثوانٍ.
في الحياة الواقعية قد تهين شخصًا أمام عشرة أشخاص.
على الإنترنت يمكن أن يصل تعليقك إلى عشرات الآلاف.
وهنا تكمن قوة البيئة الرقمية:
إنها لا تخلق المشاعر دائمًا، لكنها تسرّع انتشارها وتضخم آثارها.
وماذا عن الصحة النفسية للضحية؟
لا ينبغي النظر إلى التنمر الإلكتروني على أنه مجرد «كلام على الإنترنت».
الدراسة التونسية المنشورة حول التنمر الإلكتروني بين تلاميذ سوسة تصف الظاهرة باعتبارها مشكلة ذات أهمية صحية وتربوية، وتؤكد الحاجة إلى استراتيجيات للوقاية والتدخل ودعم الرفاه النفسي للشباب.
كما أن دراسة تونسية أخرى حول التنمر النفسي في المدارس شملت 420 تلميذًا، ووجدت أن أكثر من نصف المشاركين، 58.1%، أفادوا بأنهم كانوا ضحايا للتنمر.
إذن، المسألة لا تتعلق فقط بـ«تعليق سيئ».
الكلمات المتكررة والإقصاء والسخرية والإهانة يمكن أن تتحول إلى تجربة اجتماعية ونفسية مؤذية، خصوصًا عندما يكون الضحية صغير السن أو معزولًا اجتماعيًا.
ماذا يمكن أن نفعل؟
المواجهة لا تبدأ فقط بحذف التعليق.
بل تبدأ بتغيير الثقافة الرقمية نفسها.
في المدرسة: تعليم التلاميذ أن الاختلاف لا يعني الإهانة.
في الأسرة: الحديث مع الأبناء عن حياتهم الرقمية بدل الاكتفاء بمنعهم من الإنترنت.
في الإعلام: عدم تحويل الإهانات إلى مادة للترفيه والانتشار.
في المنصات: تحسين أدوات الإبلاغ والحماية من الإساءة.
في المجتمع: التوقف عن مكافأة أكثر الأشخاص عدوانية بالاهتمام والتفاعل.
والأهم:
أن نتعلم الفرق بين حرية التعبير والعدوان.
من حقك أن تقول:
«أنا أرفض هذا الرأي.»
لكن ليس من حقك أن تجعل الاختلاف مبررًا لإهانة الإنسان.
الخلاصة: خلف كل تعليق شخص… لكن خلف الشاشة جمهور أيضًا
ربما لا تكمن المشكلة في أن بعض الناس أصبحوا أكثر قسوة.
ربما تكمن في أننا أصبحنا نرى قسوتهم أكثر.
الإنترنت أزال جزءًا من المسافة بين الإنسان وغضبه، وبين الكلمة والجمهور.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط:
«لماذا يشتم الناس على مواقع التواصل؟»
بل:
«لماذا نمنح أحيانًا الشتيمة جمهورًا، والإهانة تفاعلًا، والاستفزاز شهرة؟»
في النهاية، مواقع التواصل ليست عالمًا منفصلًا عن المجتمع.
إنها مرآته.
لكنها مرآة غريبة:
تُظهر أفضل ما فينا… وأحيانًا تضخّم أسوأ ما فينا.