مع غروب شمس الثلاثاء 17 فيفري 2026، عاشت مدينة نابل لحظة مترقبة امتزج فيها البعد الروحي بالدقة العلمية. فبجوار مقر الحماية المدنية، حيث ينتصب المرصد الفلكي نيابوليس، تجمّع أعضاء الجمعية التونسية للشبان والعلم – نادي نابل، إلى جانب عدد من المواطنين، لمتابعة تحرّي هلال شهر رمضان.

لم يكن الحدث مجرّد نشاط فلكي، بل مناسبة يلتقي فيها الحساب العلمي بخشوع الانتظار. وُجّهت التلسكوبات نحو الأفق الغربي مع آخر خيوط الشمس، والأنظار معلّقة بخيطٍ رفيع من نور قد يعلن بداية الشهر الكريم. ساد الصمت، وتباطأت الدقائق، فيما كانت السماء صافية والآمال معلّقة.

رغم دقة الرصد وتواصل المحاولات، لم تثبت رؤية الهلال في ذلك المساء. غير أن غيابه عن العين لم يُخفّف من حضوره في القلوب؛ إذ يظل الهلال رمزًا لبداية جديدة، وفرصة لمراجعة الذات وتجديد العهد مع الله، واستعادة التوازن الروحي.

وبعد ثبوت الرؤية في الموعد الموالي، تقرّر أن يكون يوم الخميس 19 فيفري 2026 أول أيام شهر رمضان المبارك، ليبدأ شهر الصيام والقيام، شهر القرآن والسكينة، حيث تسمو الروح قبل الجسد.

من نابل، مدينة الحضارات المتعاقبة، التي عُرفت قديمًا باسم نيابوليس، ترتفع الدعوات أن يكون رمضان هذا العام شهر خير وسلام، وأن يحلّ على الأمة بالأمن والاستقرار.

رمضان ليس محطة عابرة في تقويم الأيام، بل موسم سنوي لإعادة ترتيب الأولويات. فيه يخفّ صخب الحياة، ويعلو صوت الضمير، وتُمنح النفس فرصة لتصحيح المسار. هو شهر القرآن، حيث تستعاد العلاقة مع الكلمة المقدسة قراءةً وتدبّرًا، وشهر العطاء، حيث تتسع دوائر الرحمة والتكافل.

استقباله بقلوب صافية هو المدخل الحقيقي لمعناه؛ طيّ صفحات الخلاف، مدّ جسور الصفح، وتحويل الصيام إلى مدرسة أخلاق، لا امتناعًا جسديًا فحسب بل ارتقاءً سلوكيًا وروحيًا.

نسأل الله أن يجعله شهر قبول وبركة، وأن يكتب فيه الطمأنينة للقلوب، والثبات للنفوس، وأن يعيده على الجميع بالخير واليمن.

رمضان مبارك كريم.

By admin