كم واحدًا منّا يستطيع اليوم أن يذكر أسماء ثلاثة صحفيين متميّزين يعملون على تحقيقات استقصائية عميقة؟ هذا السؤال يكشف إشكالية شائعة في مجتمعاتنا: الخلط بين أزمة الإعلام كمنظومة، وقيمة الصحفيين كأفراد. فتعثر القطاع لا يعني بالضرورة غياب الكفاءة، كما هو الحال في قطاعات أخرى تعاني صعوبات بنيوية لكنها تزخر بكفاءات عالية.
قضية جيفري إبستين تُعدّ نموذجًا صارخًا لهذه المفارقة، وهي ليست مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل قضية تكشف إلى أي حد يمكن للمال والنفوذ أن يفرضا الصمت على الجرائم الخطيرة، مثل الاستغلال الجنسي وتجارة البشر.
جيفري إبستين، رجل أعمال ثري، كان يتمتع بعلاقات واسعة مع سياسيين ومشاهير وأصحاب نفوذ. هذه الشبكة القوية مكّنته من الإفلات من المساءلة القانونية لسنوات طويلة، رغم وجود شكاوى جدّية من ضحايا. لم تكن المشكلة في غياب الحقيقة، بل في غياب من يجرؤ على إيصالها إلى الرأي العام.
التحول الحقيقي لم يبدأ من أروقة القضاء، بل من الصحافة. ففي عام 2018، نشرت الصحفية جولي كاي براون من صحيفة Miami Herald سلسلة تحقيقات استقصائية كشفت فيها كيف حصل إبستين سنة 2008 على صفقة قضائية مخففة بشكل صادم، وفّرت له ولشركائه حماية غير مبررة. هذه التحقيقات أعادت الاعتبار لأصوات الضحايا، وكشفت حجم التواطؤ والصمت الذي أحاط بالقضية.
بعد ذلك، تحولت القضية من ملف مغلق إلى قضية رأي عام. دخلت كبرى الصحف العالمية مثل The New York Times وThe Washington Post وThe Guardian على خط التحقيق، وبدأ الضغط الإعلامي المتواصل، وظهرت الأسئلة الكبرى: من كان يحمي إبستين؟ ولماذا سكت القضاء؟ ومن ما يزال محميًا إلى اليوم؟
هنا يتجلى الدور الحقيقي للصحافة. فهي ليست مجرد ناقل للأخبار، ولا أداة لإثارة الجدل، بل سلطة رقابية تطرح الأسئلة الصعبة وتُحاسب المنظومات، لا الأفراد فقط. الصحافة الاستقصائية واجهت منظومة كاملة من النفوذ، ووضعت العدالة أمام مسؤولياتها.
قضية إبستين تقدّم درسًا واضحًا: من دون صحافة حرّة ومستقلة، تتحول الجرائم الكبرى إلى أسرار، ويُهمَّش الضحايا، وتغيب المحاسبة. الصحافة الاستقصائية ليست ترفًا مهنيًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية، وخط الدفاع الأول عن الحقيقة.
إبستين مات، لكن قضيته لم تنتهِ. اليوم، تُنشر آلاف الوثائق ورسائل البريد الإلكتروني والصور، ويعمل آلاف الصحفيين حول العالم على تفكيك هذه الملفات. الأشهر القادمة قد تكشف أسماء جديدة وحقائق أكثر إزعاجًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: من هم الصحفيون الذين نثق فيهم اليوم في تونس والعالم العربي؟ ومن يملك فعليًا الشجاعة لكسر جدار الصمت؟