ليس توفيق كوكي مجرد أستاذ لغة إنجليزية، بل هو صاحب مشروع تربوي متكامل يقوم على إعادة تعريف العقوبة داخل الفضاء المدرسي، وتحويلها من أداة قمع إلى وسيلة بناء وتربية. على امتداد أكثر من ثلاثين سنة من العمل داخل الأقسام، بلور كوكي ما يسميه “العقوبة الإيجابية” كمفهوم عملي قابل للتطبيق، لا كشعار نظري.

من التجربة الشخصية إلى المشروع التربوي
انطلق مشروع العقوبة الإيجابية من تجربة عاشها الأستاذ نفسه، كتلميذ ثم كمدرّس. فقد أدرك مبكرًا أن العقوبات التقليدية التي تقوم على الإهانة أو التخويف لا تُنتج تلميذًا أفضل، بل تخلق الخوف، الكذب، أو العنف المضاد. ومع تحوّله إلى مدرس، قرر القطع مع هذا النموذج، والبحث عن بديل يحفظ كرامة التلميذ ويُصلح السلوك في الآن ذاته.
ما هي العقوبة الإيجابية؟
وفق رؤية توفيق كوكي، تقوم العقوبة الإيجابية على ثلاث ركائز أساسية:
- الاحترام الكامل للتلميذ وعدم المساس بكرامته أو هويته.
- تحويل الخطأ إلى فعل نافع اجتماعيًا أو ثقافيًا أو تضامنيًا.
- مشاركة التلميذ في القرار وقبوله بالعقوبة بعد النقاش والحوار.
قد تتمثل العقوبة في نشاط تطوعي، مبادرة إنسانية، كتابة، عمل جماعي، أو مشاركة اجتماعية داخل المدرسة أو خارجها. الهدف ليس الإيلام، بل الوعي بالخطأ وتحمل المسؤولية.
الفصل كفضاء ديمقراطي
من أبرز ملامح هذا المشروع اعتماد ما يشبه “برلمان القسم”، حيث يُشرك التلاميذ في مناقشة السلوكيات الخاطئة واقتراح الحلول المناسبة. بهذه الطريقة، لا يشعر التلميذ أن العقوبة فُرضت عليه من سلطة فوقية، بل يراها قرارًا جماعيًا يخدم مصلحة الجميع.
تربية المواطن قبل التلميذ
يرى كوكي أن المدرسة لا تخرّج ناجحين في الامتحانات فقط، بل تصنع مواطنين. التلميذ الذي يتعلّم اليوم احترام القانون داخل القسم، والاعتراف بالخطأ، وتحمل تبعاته، سيكون غدًا أقل قابلية للفساد، وأكثر التزامًا بقيم النزاهة والعمل.
مشروع يتجاوز القسم
مشروع العقوبة الإيجابية عند توفيق كوكي ليس تجربة فردية معزولة، بل رؤية قابلة للتعميم، شرط توفر الإرادة والتكوين التربوي والنفسي للمدرّسين، ودعم الأولياء والمؤسسات. وهو يؤكد أن التربية في عصر التكنولوجيا لا يمكن أن تنجح بأدوات الماضي، وأن الجيل الجديد يحتاج إلى الحوار والقدوة أكثر من العقاب.
توفيق كوكي قدّم نموذجًا مختلفًا للمدرّس: مربّي، موجّه، وصاحب رسالة. ومشروعه في العقوبة الإيجابية يفتح نقاشًا جديًا حول مستقبل التربية في تونس، وحول الحاجة إلى مدرسة إنسانية تُصلح بدل أن تُعاقب، وتبني بدل أن تُقصي.