في حدث استثنائي هزّ تونس والمنطقة خلال الأيام الأخيرة، تسببت الفيضانات التاريخية الناتجة عن العاصفة العنيفة التي ضربت شمال إفريقيا وجنوب أوروبا في خسائر بشرية ومادية مؤلمة، حيث أكدت السلطات وفاة عدد من المواطنين، وسط حالة من الحزن والتضامن الواسع.
ورغم قسوة المشهد، حملت هذه الكارثة الطبيعية مفاجأة غير متوقعة أعادت تسليط الضوء على صفحة مشرقة من تاريخ تونس العريق.

فقد أدّت الفيضانات وارتفاع الأمواج إلى تجريف أجزاء من السواحل التونسية، خاصة قرب مدينة نابل، ما أسفر عن ظهور بقايا أثرية مذهلة لمدينة قديمة كانت مغمورة بالمياه لقرون طويلة. ويتعلق الأمر بمدينة نيابوليس التاريخية، المعروفة قديمًا باسم مدينة الذهب السائل.

ووفق المعطيات الأولية، كشفت الطبيعة عن أحواض رومانية كانت تُستعمل في صناعة الغاروم، وهي صلصة سمك شهيرة في العصور القديمة، إضافة إلى حمّامات أثرية ظلت غارقة منذ تسونامي عام 365 ميلادي، الذي ضرب سواحل المغرب العربي وأغرق مدنًا وقرى عديدة، من بينها نيابوليس.

وتُعدّ هذه المدينة من أبرز الشواهد على الحضارة الفينيقية ثم الرومانية في تونس، إذ كانت مركزًا اقتصاديًا مزدهرًا بفضل موقعها الساحلي ووفرة بساتين الزيتون المحيطة بها. ومن هنا جاء لقبها الشهير “مدينة الذهب السائل”، في إشارة إلى زيت الزيتون الذي كان يُنتج بكميات كبيرة ويُصدَّر إلى مختلف أنحاء العالم القديم، نظرًا لقيمته العالية ومكانته الاقتصادية آنذاك.

هذا الاكتشاف يفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين والمؤرخين، ويعيد التأكيد على الغنى الحضاري لتونس، التي ما تزال أرضها تخبئ الكثير من الكنوز. وبينما تتواصل جهود الإنقاذ وإعادة الإعمار، يبقى هذا الحدث تذكيرًا قويًا بأن الطبيعة، رغم غضبها، قادرة أحيانًا على كشف أسرار التاريخ وإحياء ذاكرة الشعوب.

By admin