تواجه منطقة نابل اليوم أزمة صيد بحري غير مسبوقة تضع الموارد الطبيعية ومئات العائلات في مهب الريح. فوفقاً لمعطيات الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، سجلت المنطقة انهياراً حاداً في الإنتاج بنسبة ناهزت 60% مقارنة بالسنوات الماضية، وهي كارثة تتفاقم مع كل موسم جديد.
خلف هذا المشهد القاتم، تتشابك أسباب متعددة تتراوح بين الصيد الجائر، غياب الرقابة الصارمة، وتدهور البنية التحتية للموانئ التي طالها الإهمال. هذه الوضعية لا تهدد التوازن البيئي فحسب، بل تضرب في العمق الاقتصاد المحلي ومصدر رزق آلاف البحارة التقليديين.
صيد عشوائي يستنزف الأعماق
تعتبر الممارسات غير القانونية العدو الأول للبحر في نابل، حيث أدى الصيد الفوضوي، وخاصة استهداف صغار سمك “البوسيف” (Thon blanc)، إلى حرمان الأصناف البحرية من فترات الراحة البيولوجية الضرورية للتكاثر.
غياب التعويضات: رغم التزام تونس باتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي تفرض راحة بيولوجية لثلاثة أشهر (من جانفي إلى مارس)، لا يزال 80 بحاراً يعانون من غياب أي تعويض مادي لمجابهة توقف نشاطهم.
نزيف المداخيل: يقتطع من دخل كل صياد سنوياً بين 1% و2% لصالح صندوق حماية لم يتم تفعيله حتى الآن.
الكيس.. الجرّار القاتل: تسببت طرق الصيد المدمرة، وعلى رأسها صيد القاع “الكيس”، في تدمير المنظومة البيئية والقضاء على نحو 60% من مخزونات المتوسط منذ التسعينات.
موانئ مشلولة وتنمية معطلة
لم تكن البنية التحتية بمنأى عن الأزمة، فميناء قليبية — رئة الصيد البحري في تونس الذي يوفر 60% من الإنتاج الوطني — يعيش وضعاً كارثياً.
أشغال متوقفة: منذ سنة 2020، توقفت أعمال التهيئة في ميناء قليبية، مما خلف أرصفة متصدعة واكتظاظاً خانقاً.
أزمة هيكلية: تعاني موانئ بني خيار وسيدي داود والهوارية من نقائص كبيرة تزيد من معاناة البحارة التقليديين.
صرخة البحارة: “القرنيط” أصبح لمن استطاع إليه سبيلاً
يؤكد البحار “معز عمار” أن الفساد والصيد العشوائي جعلا أصنافاً بحرية كانت أساسية في مائدة التونسي البسيط، مثل “الأخطبوط” (القرنيط)، نادرة وباهظة الثمن. هذا التراجع يهدد استقرار نحو 70 ألف بحار على مستوى وطني، يمثل بحارة نابل جزءاً هاماً منهم.
إلى جانب الضغط البشري، تزيد التغيرات المناخية من تعقيد الوضع، حيث تؤدي موجات الحرارة البحرية وتضرر أعشاب “البوسيدونيا” إلى هروب الأسماك وتدمير مناطق توالدها. وفي المقابل، تظل الرقابة محدودة بوجود 140 عوناً فقط لتغطية 1300 كم من السواحل التونسية.
الحلول الممكنة: هل تنقذ “الأكواكولتور” والرقابة ما تبقى؟
تراهن الدولة التونسية على تطوير قطاع تربية الأحياء المائية (Aquaculture) لإنتاج 35 ألف طن بحلول 2030، مع رصد استثمارات بقيمة 47 مليون دينار في 2025. كما تبرز الحاجة لتدعيم إجراءات حماية البحارة التقليديين عبر:
منع مراكب “الكيس” غير القانونية بشكل قطعي.
تفعيل التتبع بالأقمار الصناعية للمراكب.
رفع الدعم عن المحروقات للصيادين التقليديين ليصل إلى 50%.
ختاماً، يقف قطاع الصيد البحري في نابل على حافة الهاوية. إن إنقاذ هذا الموروث يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتطبيق القانون وإعادة تأهيل الموانئ قبل أن يصبح الانهيار كاملاً وغير قابل للإصلاح.