• العربية
  • Français
  • هناك أجيال تُقاس ذاكرتها بما امتلكته، وهناك أجيال تُقاس بما عاشته. نحن جيل عاش زمنًا مختلفًا… زمنًا كانت فيه البساطة عنوان الحياة، وكانت التفاصيل الصغيرة تصنع أكبر الأفراح.

    كنا نُسمّى اليوم بـ “جيل الذهب” (Gold Generation)، ليس لأننا امتلكنا الكثير، بل لأننا عشنا لحظات لا تُشترى.

    في الحيّ، كانت الشوارع ملاعبنا، والخيال هو رأس مالنا. لعبنا الكجّة، وركضنا خلف كرة القدم في البطحاء، حيث كان باب المرأب يتحول إلى مرمى، والحجارة تصبح حدود الملعب. لم نكن نحتاج إلى ملاعب مجهزة أو أدوات احترافية… كانت الحماسة وحدها تكفينا.

    أما كرة السلة، فكان لها طابعها الخاص. عجلة دراجة معلقة في أحد الأعمدة بخيوط حديدية كانت تتحول في أعيننا إلى سلة حقيقية. كنا نلعب لساعات طويلة، حتى تتعب الأجساد وتعلن الشمس نهاية المنافسة.

    كان الوقت يومها مختلفًا… لم تكن الشاشات تسرق طفولتنا، ولم تكن الهواتف تفصلنا عن العالم. كنا نعيش اللحظة بكل تفاصيلها: ضحكات الأصدقاء، صراخ الأطفال في الأزقة، ونداءات الأمهات عند غروب الشمس للعودة إلى المنزل.

    كانت الموسيقى جزءًا من ذاكرتنا. استمعنا إلى مايكل جاكسون، Eve وغيرهما من نجوم ذلك الزمن. كانت الأغاني تصلنا عبر التلفاز والراديو، وترتبط بأيام ومواقف لا تُنسى. وكان ظهور راغب علامة بشاربه المعروف حدثًا يجعلنا نضحك ونتابع بشغف كل جديد.

    وكان للتلفزيون موعده المقدّس. كنا ننتظر قناة 21 لمتابعة البرامج التي أصبحت اليوم جزءًا من الذاكرة الجماعية، مثل ضيعة محروس، كعبول، وإيقاعات عالمية. لم تكن المشاهدة مجرد تسلية، بل كانت طقسًا عائليًا يجمع الجميع أمام الشاشة.

    لكن أجمل ما في ذلك الزمن كان العائلة. كانت لَمّة الأقارب مناسبة للفرح، وكان مجيء أولاد الخال والعم حدثًا ننتظره بشوق. كانت البيوت مفتوحة، والضحكات أعلى من أي صوت آخر.

    حتى القيلولة كانت جزءًا من قوانين الطفولة. كان النوم بعد الغداء واجبًا، ومن يرفضه قد يُحرم من أجمل موعد: البحر.

    البحر في نهاية الأسبوع كان رحلة بحد ذاته. نستيقظ قبل الفجر، نحمل أغراضنا، وننطلق نحو الشاطئ. هناك تبدأ المغامرة: لعب، سباحة، صيد، واكتشاف لعالم واسع أمام أعيننا الصغيرة.

    اليوم تغيّرت الأشياء كثيرًا. أصبحت الألعاب أكثر تطورًا، وأصبحت التكنولوجيا حاضرة في كل تفاصيل حياتنا، لكن يبقى شيء واحد لا يتغير: الحنين إلى زمن كانت فيه السعادة بسيطة وقريبة.

    لم نكن نملك الكثير من الأشياء…
    لكننا كنا نملك الوقت، والأصدقاء، والعائلة، والقدرة على الفرح بأبسط التفاصيل.

    ذلك هو جيل الذهب…
    جيل عرف أن السعادة ليست فيما نملك، بل فيما نعيشه.