في مشهد يعيد رسم خارطة التوازنات في الشرق الأوسط، كشفت التطورات الأخيرة عن كواليس أول اتصال هاتفي مباشر بين واشنطن وطهران منذ اندلاع شرارة المواجهة العسكرية الحالية. وبينما تتحرك الأساطيل والفرق العسكرية في الميدان، تدور خلف الأبواب المغلقة معركة دبلوماسية شرسة تقودها وساطات إقليمية من مصر وتركيا وباكستان، في محاولة لترويض فتيل حرب شاملة يبدو أنها تُدار بعقلية “المقامرة الكبرى”.

15 شرطاً أمريكياً: تفكيك “الأنياب” الإيرانية

بدأت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب المفاوضات بسقف شروط مرتفع للغاية، تضمن 15 بنداً تهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد إيران من أوراق قوتها الإستراتيجية. وتأتي في مقدمة هذه الشروط:

التفكيك الكامل للقدرات النووية: وليس فقط البرنامج، بما يشمل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

تدمير المنشآت الحصينة: المطالبة بتفكيك مفاعلات “نطنز” و”أصفهان” و”فوردو” لضمان عدم العودة للإنتاج.

تحجيم الترسانة البالستية: فرض قيود صارمة على مدى الصواريخ بحيث لا يتجاوز 2000 كم، لمنع وصولها إلى العمق الأوروبي.

إنهاء “سياسة الوكلاء”: وقف تمويل وتسليح الميليشيات في المنطقة (حزب الله، الحوثيين، والحشد الشعبي).

في المقابل، عرضت واشنطن “جزرة” تتمثل في رفع العقوبات الاقتصادية بالكامل، وإلغاء آلية “سناب باك” (العودة التلقائية للعقوبات)، والمساعدة في تطوير برنامج نووي سلمي لتوليد الكهرباء.

الرد الإيراني: “أتاوة” السيادة في مضيق هرمز

على عكس التوقعات بحدوث انكسار في الموقف الإيراني، جاء الرد من طهران بـ 3 شروط فقط، اتسمت بالندية المطلقة:

1. السيادة الكاملة على مضيق هرمز: رفض فكرة الممر الملاحي الدولي، وفرض رسوم عبور (أتاوة) بلغت 2 مليون دولار لكل سفينة، وهو ما بدأت إيران بتنفيذه فعلياً لتمويل مجهودها الحربي.

2. الاستمرار في التخصيب: اعتبار تخصيب اليورانيوم حقاً سيادياً غير قابل للتفاوض.

3. حصانة البرنامج الصاروخي: رفض قاطع لمناقشة تقييد المدى الصاروخي، باعتباره خط الدفاع الأول والأخير عن النظام.

المفاوضات تحت النار ومناورات “الفرقة 82”

في محاولة للضغط الميداني، قامت إدارة ترامب بتحريك الفرقة 82 المحمولة جواً (المعروفة بحرس الشرف الأمريكي) نحو المنطقة. وهي رسالة رمزية قوية توحي باقتراب “اجتياح بري” أو عمليات إنزال نوعية على الجزر الإيرانية.

إلا أن المحللين العسكريين يشيرون إلى أن 5000 جندي من قوات النخبة قد لا يكفون لتغيير موازين القوى في بلد بحجم إيران، مما يجعل هذا التحرك يصب في خانة “الحرب النفسية” لإجبار طهران على قبول الشروط الـ 15.

غياب إسرائيلي وتخبُّط في النتائج

النقطة الأبرز في هذه الجولة هي تغييب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تفاصيل الاتصال المباشر بين “ستيف ويتكوف” (مبعوث ترامب) ووزير الخارجية الإيراني. هذا الغياب دفع نتنياهو، بحسب تقارير إسرائيلية، لتكثيف الضربات لعرقلة أي تقارب محتمل قد ينهي الحرب دون تحقيق الأهداف الإسرائيلية القصوى.

الخلاصة: من المنتصر؟

بينما يخرج ترامب في مؤتمراته الصحفية ليعلن “الانتصار” وتدمير الأسطول الإيراني وتصفية القيادات، تشير الوقائع على الأرض إلى واقع مختلف؛ فإيران ما زالت تتحكم في شريان الطاقة العالمي (مضيق هرمز)، وصواريخها ما زالت قادرة على ضرب تل أبيب وقسم المباني إلى نصفين، ونظامها السياسي أثبت تماسكاً غير متوقع في وجه “سياسة الضغوط القصوى”.

تبقى الأسابيع القادمة هي الفيصل: هل تنجح الوساطة الثلاثية (مصر، تركيا، باكستان) في إيجاد منطقة وسطى، أم أن “خط النار” سيتسع ليحرق الأخضر واليابس في المنطقة؟

By admin