في سنوات التسعين وحتى أوائل الألفينات، كان رمضان يحمل معه عبقًا خاصًا، يملأ القلوب بالفرح والحركة، ويجعل لكل يوم نكهته الخاصة. كنا نشتم رائحته قبل أيام، من خلال قمرية أضواء الشوارع، ورائحة الكعك التقليدي، ونسماع أصوات القرآن والأدعية تتردد في الحي.

كان يومنا الرمضاني مليئًا بالضحك واللعب؛ نركض في الشوارع نلعب كرة القدم أو كرة السلة، حتى نسمع المدفع أو آذان المغرب فنعود مسرعين إلى المنزل لنرتوي من الماء ونتذوق ما أعدته لنا والدتنا: شربة دافئة، بريك مقرمش، أو عصير البرقوق.

بعد الإفطار، كانت السهرات العائلية لحظات من الدفء والمشاركة، نستمع إلى الابتهالات بصوت الفنان لطفي بوشناق، ونتابع كاميرا خفية من إخراج رؤوف كوكة، وسيتكومات ومسلسلات عائلية تعلمنا القيم والضحك معًا. ثم نخرج لصلاة العشاء والتراويح، أو نتمشى قليلًا في المقهى لنعود بعد منتصف الليل نسمع منادي السحور: “قوموا تصحروا!” فنأكل ما تبقى من الطعام، نشرب الماء، ثم نخلد للنوم لنبدأ صباح اليوم التالي في المعهد، رغم السهر.

كنا نعتز بهذا اليوم الرمضاني بكل تفاصيله، من اللعب في الحي، إلى السهر العائلي، وحتى اللحظات الصغيرة مثل الاستماع لآيات القرآن قبل آذان المغرب، تلك اللحظات التي كانت تربطنا بالروحانيات والهوية التونسية المعتدلة.

أما اليوم، فقد تغير كل شيء. أصبح كل منا مشغولًا بهاتفه الذكي، يتصفح صفحات التواصل الاجتماعي حتى موعد الإفطار. البعض يضع الهاتف جانبًا ليشارك العائلة لحظة الإفطار، والبعض الآخر يبقى مشغولًا حتى بعد العشاء. وعندما نفتح التلفاز، غالبًا ما نجد محتوى سطحيًا أو منحطًا، يحمل كلمات وعبارات غريبة، ويعرض أحداثًا تتناقض مع الهوية الإسلامية التونسية المعتدلة، تاركًا أثرًا سلبيًا على الأسرة والمجتمع. قبيل آذان المغرب، لا نكاد نستمع إلا لبرهة قليلة من آيات القرآن الكريم، على عكس أيام التسعينات وطفولة جيل الثمانينات، حيث كان التلفاز يبث روح الشهر الكريم ويجمع العائلة.

يبقى رمضان في ذاكرتنا الماضي حافلًا بالدفء والبهجة، حنينًا إلى أوقات كانت تجمعنا أكثر، وتعطي لكل لحظة معنى وروحانية. ربما علينا أن نعيد اكتشاف هذه النكهات المفقودة، ولو في لمسات صغيرة، لنستعيد معًا روح رمضان الحقيقية.

By admin