مع حلول الأيام الأولى لعيد الأضحى (أو “العيد الكبير” كما يحلو للتونسيين تسميته)، تكتسي شوارع العاصمة تونس ومدن الساحل حلة غريبة من الهدوء. واجهات المحلات مغلقة، والحركة شبه منعدمة. ولكن خلف هذه الأبواب الموصدة، تكمن واحدة من أعمق القصص السوسيولوجية والاقتصادية في المجتمع التونسي: قصة “الحمّاص“.
في الأيام العادية، يعتبر “الحمّاص” نبض الحيّ، الشاهد اليومي على تفاصيل حياتنا، والرجل الذي نلتجئ إليه في كل وقت. لكنه في العيد، يتحول إلى بطل لرحلة عودة جماعية نحو الجذور.
الهجرة الداخلية: نزيف الأرقام وواقع الأرض
حسب الأرقام الرسمية الصادرة لسنة 2024، لا تزال مدن الوسط والغرب التونسي تعاني من ظاهرة الهجرة الداخلية. آلاف الشباب والعائلات يغادرون قراهم ومدنهم الأصلية سنوياً باتجاه العاصمة والمدن الساحلية الكبرى بحثاً عن لقمة العيش.
مهنة “الحمّاص” ليست مجرد تجارة بسيطة، بل هي تجسيد حيّ لهذا الحراك الاجتماعي المعقد. خلف تلك الابتسامة المألوفة وخلف رفوف الفواكه الجافة و”الغلّيبت”، يقف رجل اختار الغربة القاسية ليضمن عيشاً كريماً لعائلته.
18 ساعة من العمل اليومي، 7 أيام في الأسبوع. هذا هو التوقيت الفعلي لـ “الحمّاص” في المدن الكبرى. تضحية بالوقت، بالصحة، وبالحياة الاجتماعية، في سبيل هدف أسمى.
العيد الكبير: عندما يتراجع المال أمام صلة الرحم
يتساءل البعض من منظور اقتصادي بحت: كيف يمكن لتاجر يعتمد دخله على البيع اليومي أن يغلق محله لأسبوع كامل في ذروة الموسم؟
الجواب لا يكمن في الحسابات المالية، بل في العمق الإنساني والديني للمجتمع التونسي. بالنسبة للحمّاص، لا يمثل العيد مجرد عطلة، بل هو الفرصة الوحيدة في السنة لكسر طوق الغربة، للعودة إلى حضن الأمهات، لزيارة الأهل، ولإعادة شحن الطاقات النفسية.
وهنا تتجلى حكمة الحديث النبوي الشريف الذي يعيش به هؤلاء الكادحون منذ أجيال:
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». »
لقد أثبتت التجربة الإنسانية أن العودة إلى العائلة واستثمار الوقت مع الأهل ليس هدرًا للمال، بل هو “الاستثمار الحقيقي” الذي يمنح هؤلاء الرجال القدرة على الصمود ومواجهة وطأة الغربة وبناء غد أفضل.
تحية إجلال
بينما نستمتع بأجواء العيد مع عائلاتنا، دعونا نتأمل في تلك المحلات المغلقة في أحيائنا. إنها تذكرنا بأن وراء كل واجهة صغيرة قصة كفاح كبيرة، وأن تونس الجميلة تُبنى بتضحيات هؤلاء الرجال الذين يغزلون من غربتهم أملاً للحياة.
عيد مبارك لكل عائلاتنا، وتحية خاصة لكل “حمّاص” يقطع المسافات ليزرع الفرحة في بيته.