منذ أواخر القرن التاسع عشر، لم تتشكل خريطة الشرق الأوسط بفعل إرادة شعوبه بقدر ما رُسمت في الغرف المغلقة للقوى الكبرى. ففي عام 1897، اجتمع قادة الحركة الصهيونية ليقرروا السعي نحو وطن قومي لليهود، واضعين بذلك حجر الأساس لمشروع سياسي طويل المدى في قلب المنطقة العربية.

بعد أقل من عقدين، وتحديدًا عام 1915، صدر ما عُرف لاحقًا بـ«وعد بلفور»، الذي مثّل التزامًا بريطانيا بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، رغم كونها أرضًا مأهولة بشعب آخر. وفي العام نفسه، أبرمت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس-بيكو السرية، التي قسّمت المشرق العربي إلى مناطق نفوذ، متجاهلة وحدة الجغرافيا والتاريخ والهوية.

في خضم هذه الترتيبات، كانت الدولة العثمانية تتهاوى، حتى انهارت فعليًا بين 1916 و1918. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، وجد العرب أنفسهم أمام واقع جديد: احتلال مباشر أو غير مباشر لأراضيهم، وحدود مصطنعة، ووعود متناقضة.

عام 1919، جاءت اتفاقية فيصل وايزمان لتضيف فصلًا أكثر تعقيدًا، إذ تضمنت اعترافًا عربيًا – باسم المملكة العربية الحجازية – بوعد بلفور، وبأحقية اليهود في فلسطين، في سياق سياسي ضاغط وحسابات دولية غير متكافئة.

المفارقة التاريخية أن جزءًا كبيرًا من هذه التحولات جرى بينما كان العرب يقاتلون إلى جانب بريطانيا ضد الدولة العثمانية، على أمل الاستقلال وبناء دولة عربية موحدة. لكن النتيجة كانت نظامًا إقليميًا هشًا، ما زالت تداعياته السياسية والاجتماعية قائمة حتى اليوم.

بعد أكثر من قرن، يبدو أن المشهد يعيد إنتاج نفسه بأدوات مختلفة. صراعات، تدخلات خارجية، وقرارات تُتخذ بعيدًا عن إرادة الشعوب. التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه كثيرًا ما يعكس ملامحه. وكما يقول المثل: ما أشبه اليوم بالبارحة.

By admin