تحتفل تونس غداً الجمعة بالذكرى السبعين لاستقلالها (20 مارس 1956)، بعد أكثر من سبعة عقود من الاستعمار الفرنسي الذي بدأ في 1881. شكّل هذا الحدث مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد، إذ صاحبته تحولات عميقة انعكست على تشكيل الوعي الوطني وظهور الحركة الوطنية التي قادت نضال استعادة السيادة.

في مقابلة أجرتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء ضمن برنامج “نقطة حوار”، أوضح أستاذ التاريخ السياسي المعاصر بجامعة منوبة، خالد عبيد، أن الاستقلال لم يكن حدثاً منفصلاً، بل نتيجة سنوات طويلة من تعزيز الفكر المجتمعي عبر التعليم ومكافحة الأمية. وأشار إلى أن نخبة محدودة من التونسيين فهمت منذ البداية أن تفوق الاحتلال الفرنسي قائم أساساً على التقدم العلمي والتقني، مقابل مجتمع تونسي كان يعاني من هشاشة قبل 1881، زادها نظام الحماية “تفكيكاً وإفقاراً وإذلالاً”، ما خلق وعيًا بأن التونسي يعيش “في زمن غير زمنه”.

وأضاف عبيد أن هذا الفارق الحضاري دفع النخبة إلى نشر الوعي وتنوير المجتمع ليتمكّن من فهم واقعه والاستعداد لاحقاً للتحرر من الاستعمار، مع التركيز على التعليم، خصوصاً العلوم الحديثة. وأشار إلى أن جهود مقاومة الجهل بدأت منذ تأسيس الجمعية الخلدونية سنة 1896، تحت إشراف رواد مثل بشير صفر، حيث ساهمت في إدخال العلوم الحديثة إلى طلبة جامع الزيتونة رغم المعارضة، واستمر العمل لتعزيز التعليم وجعله متاحاً لكافة فئات المجتمع.

كما أبرز أن الحركة الوطنية التي قادت مسار الاستقلال تشكّلت أساساً من شباب آمنوا بضرورة التغيير وحق الشعب في بناء دولته المستقلة، مؤكداً أن هذا النضال جاء امتداداً لجهود الأجيال السابقة، مستمراً حتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وصولاً إلى اندلاع الثورة التونسية في جانفي 1952. وشدد على أن مواجهة الاستعمار والصمود طيلة سنتين ونصف كانت نتيجة دعم واسع من الشعب لتلك النخبة، التي نجحت في إيصال رسالة استعادة السيادة رغم آلة القمع الاستعماري.

فيما يتعلق بتاريخ الاستعمار، اعتبر عبيد أن فرض الحماية الفرنسية على تونس سنة 1881 جاء نتيجة أزمات داخلية، أبرزها أزمة الديون وإعلان الإفلاس سنة 1869، وما تلاها من لجنة مالية دولية وضعت البلاد تحت الوصاية. تفاقمت الأوضاع الاجتماعية مع ارتفاع الضرائب وانتفاضة علي بن غذاهم، إلى جانب المجاعات والأوبئة بين 1867 و1868 التي أودت بحياة نحو 20٪ من السكان.

وأشار إلى أن نظام الحماية الفرنسي، الذي وصفه بـ”أشد وطأة من الاستعمار”، جاء في سياق خبرة فرنسا السابقة في الجزائر، إذ سعت إلى تقليل التكاليف السياسية أمام الرأي العام الفرنسي. كما عمّق الوجود الفرنسي هشاشة المجتمع التونسي من خلال استغلال الثروات ونهب الأراضي وتشغيل السكان في ظروف قاسية، فضلاً عن تفكيك البنية التقليدية للمجتمع لتعويضها بهيكل يخدم مصالح الاستعمار. في هذا الإطار، برزت عدة انتفاضات، منها أحداث تالة والقصرين سنة 1906، التي عبّرت عن رفض التونسيين للاستغلال الاستعماري ومهدت الطريق لظهور الحركة الوطنية والثورة لاحقاً.

By admin