• العربية
  • Français
  • L’Odyssée,-Christopher-Nolan

    هناك أفلام لا تكون مجرد قصص تُروى على الشاشة، بل تتحول إلى ذكريات راسخة في الذاكرة. لحظات كنا نعيشها ونحن أطفال، جالسين أمام التلفاز، نكتشف عوالم مجهولة، وأبطالاً أسطوريين، ومناظر تفوق الخيال، ومغامرات تبدو أكبر من حدود أحلامنا.

    هذه الإحساس بالانبهار الذي كان يمنحنا إياه السينما، وتلك القدرة على نقلنا إلى عوالم بعيدة دون أن نغادر منازلنا، عرفتها أجيال عديدة مع أفلام المغامرات الكبرى التي بقيت محفورة في الذاكرة.

    مع فيلم «الأوديسة»، يبدو أن كريستوفر نولان يسعى إلى إحياء ذلك الشعور المفقود: شعور السينما القادرة على إدهاشنا، وإبهارنا، وجعلنا نشعر بأننا أمام تجربة استثنائية لا تتكرر.

    عندما كانت السينما نافذة نحو عوالم أخرى

    قبل عصر منصات البث الرقمي والاستهلاك السريع للمحتوى، كان عرض فيلم كبير على شاشة التلفزيون يمثل حدثاً حقيقياً بالنسبة للكثيرين.

    بالنسبة للعديد من الأطفال في تونس، كانت أفلام المغامرات والأعمال التاريخية والخيالية التي اكتشفوها عبر القنوات التلفزيونية تفتح أبواب الخيال: حضارات قديمة، رحلات استثنائية، وأبطال يواجهون تحديات تبدو مستحيلة.

    كانت السينما تمتلك قدرة خاصة: أن تجعلنا ننسى واقعنا لبعض الوقت، وأن تنقلنا إلى أماكن بعيدة لم نكن نحلم بزيارتها.

    وهذه هي بالضبط تلك السحرية التي تحاول بعض الإنتاجات الكبرى اليوم استعادتها.

    قصة عمرها آلاف السنين لكنها ما زالت حية

    في فيلم «الأوديسة»، يختار كريستوفر نولان واحداً من أعظم النصوص في تاريخ البشرية: رحلة أوديسيوس (أوليس) بعد حرب طروادة في طريق عودته إلى موطنه.

    لكن خلف الأساطير والمخلوقات الخيالية والمغامرات البحرية، تحمل ملحمة هوميروس قصة إنسانية عميقة: قصة رجل يبحث عن وطنه، وعن هويته، وعن مكانه في هذا العالم.

    وربما هنا تكمن قوة هذا العمل الأدبي الذي ما زال يثير الاهتمام بعد آلاف السنين. فرغم المسافة الزمنية الكبيرة التي تفصلنا عن اليونان القديمة، فإن القضايا التي يطرحها ما زالت قريبة منا: السفر، والشجاعة، واكتشاف المجهول، والخوف من التحديات، والرغبة في العودة إلى الوطن.

    كريستوفر نولان… مخرج يريد صناعة حدث سينمائي

    خلال السنوات الماضية، أثبت كريستوفر نولان أنه يدافع عن رؤية خاصة للسينما باعتبارها تجربة يجب أن تُعاش، وليس مجرد صور تُعرض على الشاشة.

    في «Interstellar» أخذنا إلى حدود الفضاء.
    في «Inception» لعب على الحدود بين الحلم والواقع.
    وفي «Oppenheimer» قدم قصة لحظة حاسمة في التاريخ الحديث.

    أما في «الأوديسة»، فهو يواجه هذه المرة واحدة من أكبر الأساطير المؤسسة للحضارة الإنسانية.

    طموحه لا يبدو مقتصراً على إعادة سرد قصة قديمة، بل محاولة استعادة ذلك الشعور الذي كانت تمنحنا إياه بعض الأفلام في الماضي: الإحساس بأننا أمام عمل ضخم، نادر، وقادر على خلق الدهشة.

    لماذا يمكن لهذا الفيلم أن يلامس الجمهور التونسي؟

    البحر الأبيض المتوسط ليس بعيداً عن عالم هوميروس. فمنذ آلاف السنين، كانت هذه المنطقة فضاءً للتواصل بين الشعوب والثقافات والحضارات.

    بالنسبة للجمهور التونسي، المرتبط بتراثه القديم وهويته المتوسطية، قد يمثل «الأوديسة» أكثر من مجرد فيلم هوليوودي جديد.

    إنه فرصة لإعادة اكتشاف قصة تنتمي إلى ذاكرة حضارية مشتركة، ولكن يتم تقديمها اليوم بأدوات السينما الحديثة.

    عودة السينما التي تجعلنا نحلم

    نحن اليوم محاطون بالصور والمحتويات في كل مكان. ومع ذلك، أصبح من الصعب أحياناً استعادة ذلك الشعور بالدهشة الذي كان يرافقنا ونحن أطفال.

    ذلك الشعور عندما نكتشف عالماً جديداً، ونبقى مشدودين أمام الشاشة، ونؤمن خلال ساعات قليلة بأن كل شيء ممكن.

    وربما يكون هذا هو الطموح الأكبر لفيلم «الأوديسة»: تذكيرنا بأن السينما ليست مجرد مجموعة من الصور، بل تجربة قادرة على صناعة الذكريات.

    وربما أمام هذه الرحلة الجديدة التي يقدمها كريستوفر نولان، سيجد البعض أنفسهم يعودون إلى نفس الإحساس الذي عاشوه أمام شاشة التلفاز في طفولتهم: إحساس اكتشاف سحر السينما لأول مرة.